العيني

117

عمدة القاري

بيان المعاني قوله : ( أو بمكة ) شك من الرواي . وقد ذكرناه عن قريب . قوله : ( إنسانين ) أي : بشرين ، قال الجوهري : الإنس البشر ، الواحد أنسي وأنسي بالتحريك ، والجمع : أناسي ، وإن شئت جعلته إنساناً ، ثم جمعته إناسي ، فتكون الياء عوضا عن النون ، وقال قوم : أصل الإنسان : إنسيان ، على إفعلان ، فحذفت : الياء ، استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم ، وإذا صغروها ردوها . وقال ابن عباس : إنما سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي . ويقال : من الأنس ، خلاف : الوحشة . ويقال للمرأة أيضاً إنسان ، ولا يقال : إنسانة ، والعامة تقوله . قوله : ( يعذبان في قبورهما ) وقد ورد في حديث أبي بكرة من ( تاريخ البخاري ) بسند جيد : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال : ( إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فيعذب في البول ، وأما الآخر فيعذب في الغيبة ) . وفي حديث أبي هريرة من ( صحيح ابن حبان ) : ( مر ، عليه الصلاة والسلام ، بقبر فوقف عليه وقال : ائتوني بجريدتين ، فجعل أحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه . وقال : ( لعله يخفف عنه بعض عذاب القبر ) . وهو عند أبي موسى بلفظ : ( قبرين ، رجل لا يتطهر من البول ، وامرأة تمشي بالنميمة ) . وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة : ( مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر يعذب صاحبة فقال : ( إن هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير ) ، وذكره البرقي في ( تاريخه ) قال : ( قبرين أحدهما يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، وكان هذا لا يتقي بوله ) . وفي ( تاريخ بحشل ) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً لأم مبشر ، فإذا بقبرين ، فدعا بجريدة رطبة فشقها ثم وضع واحدة على أحد القبرين ، والأخرى على الآخر ، ثم قال : لا يرفعان عنهما حتى يجفا ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، والآخر كان لا يتنزه من البول ) . وفي حديث أنس : ( مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول ، فأخذ سعفة رطبة فشقها ، وجعل على ذا نصفاً وعلى ذا نصفاً ، وقال : لا يزال يخفف عنهما العذاب ما دامتا رطبتين ) . وفي ( كتاب ابن الجوزي ) : ( مر برجل يعذب في الغيبة وبآخر يعذب في البول ) . وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم : منها : حديث عبادة بن الصامت بسند لا بأس به عند البزار . ومنها : حديث أبي سعيد وزيد بن ثابت عند مسلم . ومنها : حديث شرحبيل بن حسنة . ومنها : حديث أبي موسى الأشعري عند أبي داود . ومنها : حديث أبي أمامة وأبي رافع ، ذكرهما أبو موسى المديني في ( كتاب الترغيب والترهيب ) . ومنها : حديث ميمونة ، ذكره ابن منده في كتاب الطهارة . ومنها : حديث عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، عند اللالكائي . قوله : ( وما يعذبان في كبير ) أي : بكبير تركه عليهما ، إلاَّ أنه كبير من حيث المعصية . وقيل : يحمل كبير على أكبر ، تقديره : ليس هو أكبر الذنوب ، إذ الكبائر متفاوتة . وقال القاضي عياض : إنه غير كبير عندكم لقوله تعالى * ( وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ) * ( النور : 15 ) وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة ، وتركها كبيرة . وفي ( شرح السنة ) معنى : ( ما يعذبان في كبير ) : أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز منه إذ لا مشقة في الاستتار عند البول وترك النميمة ولم يرد أنهما غير كبير في أمر الدين وقال المازري [ / قع : الذنوب تنقسم إلى ما يشق تركه طيباً كالملاذ المحرمة وإلى ما بنفرد منه طبعاً كتارك السموم ، وإلى ما لا يشق تركه طبعاً : كالغيبة والبول . قوله : ( لعله اين يخفف عنهما ) أي : لعله يخفف ذلك من ناحية التبرك بأثر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، ودعائه بالتخفيف عنهما ، فكأن صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما ، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنىً ليس في اليابس ، قاله الخطابي . وقال النووي : قال العلماء : هو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم سأل الشفاعة لهما فاجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا . وقيل : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم يدعو لهما تلك المدة ، وقيل : لكونهما يسبحان ما دامتا رطبتين وليس لليابس بتسبيح ، قالوا : في قوله تعالى : * ( وإن من شيء إلاَّ يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) معناه : وإن من شيء حي ، ثم حياة كل شيء بحسبه ، فحياة الخشبة ما لم يتبس وحياة الحجر ما لم يقطع ، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه ، ثم اختلفوا : هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع ، فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله ، وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة ، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به ، وجب المصير إليه . واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث ، لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد ، فتلاوة القرآن أولى . فإن قلت : ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب ، بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء ؟ قلت : يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة عدد الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها . قوله :